كتب هيرودوت، المؤسس اليوناني لعلم التاريخ في العالم، عن الحرب: إنها "قابلة التاريخ". وهي كذلك فعلاً، ودائماً، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
وهي "امتداد للسياسة"، كما قرر (لاو)، منظرها الصيني، بصيغة أخرى.
ما بعدها يستحيل أن يكون مطابقاً لما قبلها. ثمة جديد ينبثق، ضرورةً، وقديم يندحر ويموت حتماً.
المولود الجديد يكون قد تخلق في الأحشاء، ووظيفة الحروب هي فقط تسهيل طلقه (= إنجابه). ما يعني أن الحروب لا تصنع المجتمعات وتواريخها، وإنما تسهل مهمة ظهور جديدها، وهيمنته، وانتصاره، وسيادته.
وهذا هو ما يفسر كون جميع الحروب في المجتمعات وفي التاريخ كانت، رغم مآسيها، أو بسببها، علامة تحول وتقدم وانعتاق.
فعصبة الأمم كانت من نتائج الحرب الرأسمالية العالمية الأولى، والأمم المتحدة منتوج الحرب العالمية الثانية. والحاجة اليوم أضحت ماسة وحيوية إلى نظام عالمي جديد، متعدد، متحرر، عادل، أقل ظلماً، أكثر ديمقراطية، وأكثر حفاظاً على البيئة.
الحرب سياسة، وهذه لا تتصور وجوداً بدون وجود إدارة دولة، ما يعني أن انعدامها ينتج فوضى وفتناً، لا حروباً (ما قبل التاريخ، الكر والفر بين القبائل، الإبادات...).
ولا تتم الحروب بين قديم وجديد فقط ودائماً، فقد يأتي جديدها من خلال مواجهة بين قديم وقديم، ينتحران، وبذلك يتيحان الفرصة والمجال لبروز جديد، من أحشاء نفس القديم المنتحر والمندثر.
هكذا حصل عندما هجمت قبائل الشمال الأوروبي (الفايكينغ) الهمجية على النظام العبودي في روما، وحطمته، فانفتح التاريخ لاحتضان النظام الإقطاعي، الذي اعتبر ثورة تاريخية عظمى في حينه.
وكذلك الأمر في تناحر الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية، ومن ثم إتاحة الفرصة العظيمة لانتصار وانتشار العرب والإسلام، وتأسيس حضارة عظمى جديدة... إلخ.
الحروب، إذن، هي مظهر وأداة فقط لتسهيل ولادة وبروز جديد ثوري، يكون قد تخلق اقتصادياً، واجتماعياً، وثقافياً، وسياسياً، في أحشاء قديم يحتضر، انتهى أجله، واستحال استمراره، وأضحى بالياً، رجعياً، معرقلاً للتطور والتقدم، بل متوحشاً وإبادياً... كما هي حالة الرأسمالية الإمبريالية الأطلسية اليوم؟
فمرحباً بحروب التحرر، والتحرير، وانعتاق المستضعفين في الأرض، شعوباً، ودولاً، وبيئةً طبيعية.
د. ع. الصمد بلكبير
Share this content: