الأولى صريحة ومعلنة للجميع، وهي بين الإمبريالية الأمريكية وإيران، وبالتبعية الأمة العربية والبريكس.
أي بين عدوين استراتيجيين، في حرب مصيرية، وربما وجودية سياسياً.
أما الثانية، فهي متخللة ومتضمنة، بين غريمين-خصمين متنافسين، لا متلاغيين-متنافيين، كما هي الحال في الأولى.
مصدر هذه في الداخل الطبقي الأمريكي، بين فئتين من داخل الطبقة الرأسمالية السائدة والحاكمة:
1- المجمع الصناعي الحربي، الذي لا يرى سبيلاً لتجاوز أزمات النظام الرأسمالي في الداخل وفي العالم، سوى عن طريق تصديرها مع الأسلحة وذخائرها، سلعاً متعددة المردود، إلى أسواق الحروب والفوضى والفتن في العالم، خارج دول حلف الناتو وبعض توابعهم هنا وهناك.
2- المجمع الصناعي-التجاري المدني، المتضرر من استراتيجيات النمط الأول، رغم وجود بعض التقاطعات المصلحية والسياسية بينهما، مستقرة أحياناً، ومتحركة دائماً.
بالنسبة للطرفين، فإن عدوهما واحد: في الداخل الأمريكي (عمال، ملونون، نساء، وشباب...)، وفي العالم: الاشتراكية والاشتراكيون، وعموم حركات استكمال التحرر والتحرير والاستقلال (= البريكس، عملياً).
الفرق بينهما يكمن في سبل المواجهة.
فالأول يرى أنها ينبغي أن تكون حربية، توظف فيها أوروبا، شرقها وغربها، في حرب مفتوحة مع درع الصين (= روسيا)، وهو رأي المجمع الصناعي العسكري-الحربي.
في حين أن وجهة نظر الثاني هي ما تلخصها خطابات وممارسات البيت الأبيض (ترامب).
إن صراع المعسكرين إياهما يجري، عموماً، خارج الداخل الأمريكي (عدا مسألة المخدرات وتفكيك الأسرة...)، تلافياً لخطر انفجار تناقضهما في حرب أهلية، نظير حرب 1860.
لقد شكل العدوان الراهن على إيران ولبنان حلاً وسطاً، توافقياً أو اضطرارياً، أو هما معاً، بين الاستراتيجيتين.
وهو ما يفسر غموض، أو بالأحرى ارتباك والتباس أهدافها المحتملة والمفتوحة، بين المعسكرين الرأسماليين في المجتمع الأمريكي، وميزان القوة المتأرجح بينهما، داخلياً وفي علاقاتهما بتحالفات الخارج.
إن موضوع الخلاف، وحتى الصراع، بين الطرفين في الحرب الثانية، أو الضمنية، مع إيران، هو حول حدودها في الزمن، والاتساع، والاحتدام.
بين نمط ترامب (حرب 12 يوماً السابقة)، أو (هرمجدون) القيامية-التلمودية (= CIA)، وليس الكيان والنتن سوى واجهة وأبواق لإعلانها والتعبير عنها، أي عملياً: تصريف مشرقي لما فشلوا في تفجيره أوروبياً مع روسيا. والهدف الأسمى لديهم، في الحالتين، هو الصين.
ليس المقصود في تحديد تسمية المعسكر الأول (الحربي) الجيش الأمريكي ومخابراته، ولا بالأحرى بقية المخابرات الأمريكية (17).
بل العكس، فعموم هؤلاء ضد حروب العدوان والتوسع الخارجي.
المقصود هي المخابرات المركزية الخارجية، والتي تعتبر أمريكا نفسها مجالاً لنفوذها وسيطرتها، وذلك بخلاف ما عليه الوضع في جميع دول العالم، راهناً وتاريخياً.
الولايات المتحدة الأمريكية لا تشبه غيرها في هذا الصدد، ومن الخطأ الجسيم، وربما المدبر، تحليل أوضاعها وعلاقاتها الخارجية كما لو كانت تشبه دولة عادية. وعن ذلك تنتج أخطاء نظرية، وعند الممارسة الميدانية قد تكون قاتلة أحياناً، كما حدث للكثير، ولعل آخرهم كان الشهيد (لاريجاني).
في النظريات السياسية العامة، ثمة مطابقة بين الدولة وإدارتها، بل تكاد الدولة تختصر في إدارتها (إداراتها).
والحال أن أمريكا هي دولة واحدة، بإدارتين، في آن معاً، وفي ذات الوقت! كيف؟
يتبع... الحلقة الثانية غداً.
د. ع. الصمد بلكبير
Share this content: