عبد الصمد بلكبير (مواليد مراكش، 1947) مفكّر وكاتب وأكاديمي وسياسي مغربي، من أبرز وجوه اليسار الوطني والفكر القومي في المغرب. أسّس مجلة «الملتقى» سنة 1984 وما يزال يرأس تحريرها بعد أكثر من أربعين سنة، وجمع في مسار واحد بين النضال السياسي والنقابي، والتدريس الجامعي والبحث في الأدب الشعبي، وصناعة المنابر الثقافية، والعمل البرلماني والاستشاري في أعلى مستويات الدولة.
«انطلق عبد الصمد بلكبير وكوكبته… في منتصف 1984، في بناء صرح ثقافي عالي المستوى. اعتمد أولاً على المقاربة الشمولية للقضايا.»
— من مذكرات العربي مفضال «زهرة العمر»
وُلد عبد الصمد بلكبير في مراكش سنة 1947، وتلقّى تعليمه الأول في المدرسة العبدلاوية بباب دكالة، ذات التوجه السلفي الوطني الشوري، حيث درس على يد الفقيه عبد الكريم الزمراني، أحد الرموز العلمية للمدينة، فتأثر به تأثراً عميقاً. ومنذ المرحلة الابتدائية تشبّع بكتاب «الاستقصا» للناصري وبالمتن الخلدوني — وهو معين سيعود إليه باحثاً ومحقّقاً بعد نصف قرن. تابع المرحلتين الإعدادية والثانوية بمدرسة ابن يوسف العريقة خلال الستينيات، وانخرط مبكراً جداً في الحياة العامة: في الكشفية «العبدلاوية» سنة 1954 وهو ابن السابعة، ثم في الشبيبة العاملة التابعة للاتحاد المغربي للشغل سنة 1957.
بعد حصوله على الباكالوريا سنة 1968 توجّه إلى فاس لدراسة الأدب العربي، فتخرّج في المدرسة العليا للأساتذة، وحصل لاحقاً على دكتوراه الدولة في الأدب الشعبي.
كان بلكبير من قادة إضراب التعليم الأصيل سنة 1963 وهو تلميذ، وتحمّل المسؤولية المالية في لجنة الإشراف عليه، فاعتُقل لأول مرة بعد اقتحام التلاميذ محكمة مراكش. وفي أحداث 23 مارس 1965 قاد الإضرابات التي عرفتها مراكش يوم 27 مارس، فأودع سجن بولمهارز حيث خاض المعتقلون أول إضراب عن الطعام في تجربتهم. انضم إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1965، وتحمّل مسؤوليات في شبيبته إلى جانب الحبيب الفرقاني، ثم كان من رموز منظمة «23 مارس» اليسارية.
في مارس 1973، ومع المحنة الكبرى لليسار المغربي، اعتُقل بلكبير وقُدّم للمحاكمة، فخاض إضراباً عن الطعام استمر 36 يوماً قبل أن يقضي مدته في السجن. وبعد الإفراج عنه واصل العمل الحقوقي والسياسي: ساهم في تأسيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سنة 1979 إلى جانب عبد الرحيم الجامعي، وشارك سنة 1984 في تأسيس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي التي ترشح باسمها للانتخابات البرلمانية قبل أن تُسقط ترشيحه السلطات آنذاك.
مع تأسيس جامعة القاضي عياض تولى بلكبير تأسيس شعبة اللغة العربية بكلية الآداب بمراكش ورئاستها من 1979 إلى 1989، وعضوية مجلسي الكلية والجامعة حتى 1992. غدت الشعبة نموذجاً يُحتذى، حتى إن العشرة الأوائل في امتحان تخرج الأساتذة كانوا، في إحدى الدورات، جميعاً من خريجيها. أنجز أطروحة السلك الثالث حول «الفكر العربي الحديث»، ثم كرّس دكتوراه الدولة لموضوع «شعر الملحون: الظاهرة ودلالاتها» في أربعة أجزاء — وهو عمل مرجعي في دراسة الأدب الشعبي المغربي.
بدأ عمله الثقافي المنظم سنة 1962 في «الرابطة الفكرية»، وفي سنة 1967 نشط في اتحاد جمعيات مراكش وجمعيتي «شبيبة الحمراء» و«كوميديا». أسّس جريدة «الجامعة» التي بلغت مبيعاتها — بحسب المصادر — مئة ألف نسخة، ووُظّفت مداخيلها في نشر خمسة وعشرين عملاً أدبياً مغربياً لأسماء منها أحمد بوزفور ومحمد زفزاف ومليكة العاصمي، إضافة إلى إبداعات المعتقلين السياسيين. وساهم في إصدار مجلة «8 مارس» النسائية وملحق «أنوال الثقافي» ومجلة «عيون المقالات».
وفي منتصف 1984 أسّس مشروعه الأكبر: مجلة «الملتقى»، الشهرية الثقافية الفكرية الصادرة من مراكش، التي بلغت عددها الثالث والستين في فبراير 2026 وما تزال تصدر بانتظام، محافظةً على خطها: المقاربة الشمولية للقضايا الوطنية والقومية، وفتح صفحاتها لكبار الكتاب من المغرب والعالم العربي. وإلى جانبها أدار دار النشر «اتصالات سبو»، وأسّس «منتدى ابن تاشفين: المجتمع والمجال» الذي أصدر أكثر من عشرين عنواناً عن مراكش وجهتها، وشارك في تأسيس المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي.
انتُخب بلكبير سنة 1993 عضواً في مجلس النواب عن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، فسجّل رقماً قياسياً في الأسئلة البرلمانية، وأنشأ أول مقر برلماني محلي في المغرب، وأصدر حصيلة ولايته في كتاب — سابقةً في تقاليد العمل النيابي المغربي. وبين 1998 و2002 عمل مستشاراً للوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي في حكومة التناوب، وانسحب بانسحابه. ثم كان عضواً في مجلس مدينة مراكش (2003–2009) رئيساً للجنة الثقافة والبحث العلمي والتراث. وفي 2017، خلال حراك الريف، أطلق مبادرة «المسيرة البيضاء» للوساطة بين المحتجين والدولة، بعد مشاورات مع شخصيات وطنية بينها مصطفى بنحمزة وخناتة بنونة.
تتوزع اهتمامات بلكبير الفكرية على قضايا كبرى ظل وفياً لها: فلسطين التي يعتبرها «قضية وطنية» مغربية لا قضية خارجية، موثّقاً الروابط العضوية بين الشعبين المغربي والفلسطيني منذ عهد الموحدين، ومؤكداً أن «معركة تحرير الوعي وتنوير الأذهان هي الشرط الأول لتعبئة الناس وتوحيدهم»؛ ومغربية الصحراء التي أفرد لها كتاباً ومحاضرات تقرأ النزاع في ضوء صراع الإمبرياليات؛ واللغة العربية التي يدافع عنها ضد ما يسميه «التفرنيس»، داعياً إلى مجمع لغوي مغربي وإلى تجديد العربية شرطاً للمحافظة عليها؛ والوحدة العربية والحوار القومي–الإسلامي الذي انخرط فيه عبر المؤتمرين القومي العربي والقومي الإسلامي. وهو من المثقفين القلائل الذين يجمعون في التحليل بين العدة الماركسية والعمق التراثي الخلدوني.
يُعدّ بلكبير من أكثر المثقفين المغاربة حضوراً في الإعلام: محلّلاً سياسياً تستضيفه المنابر المغربية والعربية، وضيفاً دائماً على برامج الحوار المطوّلة، وصاحب سلسلة مذكرات مصوّرة يرويها منذ 2024 عن كواليس نصف قرن من الحياة السياسية المغربية. كُرّم في مناسبات عدة، أبرزها كتاب شهادات صدر في حقه بأقلام أسماء فكرية وسياسية من المغرب وخارجه. تجدون تغطية صحفية موسعة لمواقفه في قسم «في الصحافة» وحواراته المصورة في مكتبة الفيديو. كما يمكن تصفح ألبوم الصور.