في حياة الغابات، زمن حياة القطيع، وما قبل التاريخ والوجود البشري، لم يكن من سبيل للضعفاء، في صراع الحياة والوجود، لـ(الانتقام) من المعتدي سوى الاستغفال والغدر.
عندما خرج البشر من الغابة، ومن القنص والجني والصيد، نحو الرعي والفلاحة، ومن ثم تأسيس مجتمعات العائلة، والأسرة، والعشيرة، والقبيلة، وبالتالي الدين والتدين (= الأخلاق، والعرف، ثم الإدارة، والقانون...)، كان ذلك تحولاً من الغدر إلى المواجهة والحرب، أي تجاوز (أخلاق) الغدر نحو الخداع تكتيكاً، في إطار استراتيجية الحروب المعلنة والمقننة بقواعد: لا حرق ولا تحريق، لا اغتيال ولا قتل للمرضى، والأسرى، والنساء، والشيوخ، والأطفال، وغير المسلحين... إلخ.
تمكن النظام الرأسمالي من مقاومة الإصلاح، وأحرى التغيير، بتمكنه من اختراق وإفساد بدائله الاجتماعية والسياسية، بل وتعطيلها بإرهابها.
وجعل ذلك الرأسمالية في وضع تناقض مع زمن العالم، الأمر الذي ارتد بها، وعياً، وأخلاقاً، وسياسة، نحو زمن وقيم التوحش، والغدر، والعنف الهمجي... بل وجميع مظاهر الحياة اليومية: (الوشم، التعري، اللباس الممزق، الاتساخ، الاستهلاكية، الأنانية - وهي غير الفردانية -، المقامرة - وهي غير المغامرة -، نزعة الانتحار، المخدرات... إلخ).
إن (حروب) الغدر والعدوان الإمبريالي الأطلسي الأخيرة، جميعها من هذا القبيل، المسترجع والمعيد إنتاج قيم وأخلاق زمن التوحش، وما قبل الدين، والقانون، والمدنية، والتاريخ.
وكذلك هي ممارسات وأوعية جميع الطبقات التي تأخر انسحابها من المجتمع والتاريخ، بعد أن أضحت رجعية، ومعرقلة للتقدم، كما هو وضع الأنظمة الرأسمالية اليوم.
وهو نفسه ما حصل لجميع الأنظمة السابقة، قبيل نهاية الدول الآشورية في العراق، والفرعونية، واليونان، وروما، والوندال، والأمويين، والعباسيين، والعثمانيين، والإقطاع في أوروبا العصور الوسطى... إلخ.
د. ع. الصمد بلكبير
Share this content: