فاتحة الكتاب الكريم، ولكنها أيضاً فاتحة قابليته لتفسيرات وتأويلات؟ إذن لقراءات مفتوحة على فضاءات واختيارات متعددة.
1 — لا حضور لهذه الكلمة في الجاهلية والصدر بمعنى (فك رموز الكتابة)؟ لم تكتسب هذا المعنى إلا في حدود أواسط القرن الثاني الهجري؟
2 — والدليل في النص المقدس نفسه، حسب مفسرين كثيرين:
- أ — إذ لا يستقيم أن يأمر المولى رسوله الكريم بفعل ما يعجز عنه (أمي)؟ وإلا اعتُبر ذلك لمزاً لا يحق في شأنه، وهو آخر وخير الأنبياء والرسل؟
- ب — وقد يُحمل الأمر على معنى الحض على تعلم القراءة والكتابة، والحال أن هذا لم يحصل. ولو كان الأمر كذلك لانكب الرسول الكريم على تعلم ذلك، وهو أمر أيسر عليه، ولسارع في تلبيته باعتباره عبادة وتنفيذاً لأمر إلهي؟
- ت — ثم إن الصيغة اللغوية لا تطابق ذلك المعنى؟ الذي لا يستقيم إلا بلزوم فعل الأمر (اقرأ) فيكون (اقرأ اسم ربك). أما تعديته بالباء فإنه يصرفه إلى معنى آخر، هو ما تبين أخيراً.
3 — في دراسات أخيرة للاستشراق الألماني، مقارنةً بالمعجم العبري القديم، أن كلمة القراءة ومشتقاتها كانت تعني (اصدع)، حرفياً: ارمِ ما بين يديك؟
وهو ما تستقيم به العبارة لغوياً (تعدية فعل اقرأ) وكذلك معنوياً: الأمر الإلهي للرسول بأن يبلغ الدعوة خارج أسرته؟ وذلك بعد أن استوت نصاً، ونضجت شروط الدعوة العامة إلى اعتناقها؟
عندئذ يكون معنى (ما أنا بقارئ) مفهوماً في سياقه، لا إخباراً بواقع يعرفه صاحب الأمر سلفاً، بل هو من اختاره ودبره لحكمة (= كون النبي أمياً: لا يفك رموز الكتابة). بل المقصود من قبل المأمور هو الاعتذار للمولى تعالى عن العجز في تنفيذ الأمر؟ الرسول الكريم يشفق على نفسه من أخطار التبليغ، وهو الأدرى بما حصل للرسل قبله من افتتان واضطهاد شملهم جميعاً، انطلاقاً من إبراهيم وموسى وعيسى، وبينهم كثيرون؟
وعندئذ تُفهم دلالات تكرار الأمر الإلهي للرسول: لقد علمتك وأهلتك وسلحتك بكتاب... لا لأجل الأقربين إليك، بل للعالمين. وإذن فعليك أن تأتمر، ولا تعتذر؟ وكذلك كان.
العبرة:
- إن اللاحقين في المعرفة والعلم قد يتيسر لهم ما لم يتيسر للأقدمين من معطيات ومناهج، لمعرفة أدق وأصوب؟
- ولا أستبعد أن هيمنة فقهاء ومفسري الدولتين الأموية ثم العباسية... كان من مصلحتهم ومصلحة دولهم إبراز وتضخيم أهميتهم وأهمية المعرفة (القراءة) في الدين والحياة عموماً، مقارنةً بأهمية الممارسة والكفاح العملي لنشر الدعوة، بل والحياة عموماً؟ وهذا النزوع لتضخيم قيمة النظر مقارنةً إلى العمل مستمر ما يزال لدى عموم الكتّاب والمثقفين؟
وإذن، فلقد تم افتتاح النص القرآني بالدعوة لتنزيل العمل أولاً ومباشرة، بعد نزول النص الدعوي.
ع. الصمد بلكبير — 7/9/2026
Share this content: