انطلق عبد الصمد بلكبير وكوكبته ... في منتصف 1984، في بناء صرح ثقافي عالي المستوى. اعتمد أولا على المقاربة الشمولية للقضايا
مقتطف من مذكرات العربي مفضال - زهرة العمر

Share this content:

الأضحية والأنثروبولوجية

سبق لي أن كتبت خاطرة بعنوان (الأضحى عيد) لأنه يكرس ويذكر ويحتفي بحدث تاريخي عظيم ألا وهو تحرير شعوب شرق وجنوب المتوسط من عبادة الكبش والتضحية بالبشر ذبحا،فداء وقربانا له، إلى العكس، ذبح جهلهم وأوهامهم عن معبودهم الكبش، وتحولهم نحو وعي المجرد والمطلق والعاقل والعادل والغائب.

ولقد عبدوا قبل ذلك الحجر والشجر والبشر (أحياء وأمواتا).. بل والبقر والفئران حتى يومه، للأسف، في الهند ،مثلا، وبدعوى (حرية العقيدة)و(التسامح)يصر الاستعمار على إبقائهم معتقلين في جهلهم، وذلك لتيسير استغلالهم دون مقاومة،أو ممانعة، بل وأحيانا بأيديولوجيا (العبودية المحبذة او المختارة)؟!

طبعا فليس كل قديم أو وسيط موروث هو رجعي ومرفوض تلقائيا، إن تقديس الحجر مثلا قد يستمر لحاجة بشر له، كما هو حال الفلسطينيين في(ثورة الحجارة) أو حجاج الكعبة مع (الحجر الاسود) والمصلين مع التيمم وكذلك تقديس الأرض(التراب) والشجر والخبز والكتابة (الأحجبة)وبعض الحيوانات التي أضحت أليفة بعد أن كانت معبودة(القطط والكلاب).

بعض (الحداثيين جدا) من نمط العدميين دينيا وتاريخيا (أنثربولوجيا) ينعون على شعوبهم ممارسة هذه الشعيرة الاحتفالية العريقة،وهم في ذلك اشبهوا موقف المؤرخ الخلدوني (الحداثي) أحمد الناصري في كتابه الرائد (الاستقصا) حيث ينتقد سلوك الصحابي الجليل والمحرر للمغاربة من الحدود القبلية وشيوخها ومن الشعوذة والسحر، ومن عبادة الكبش(والديك أيضا بالمناسبة، والذي ارتد إلى تقديسه البورغواطيون؟)حيث نعى عليه إرغامه أبناء السيدة الكاهنة على نحر الأكباش وسلخها بأنفسهم.

واعتبر الناصري أن مقصوده كان إهانته ،وأن اقتراحهم عليه أن يتولى امر النحر عبيدهم كان أولى وأصلح للجميع معتبرا ذلك السبب الرئيس لردتهم ،ومن تم قتلهم للفاتح العظيم، والحال أن مقصوده كان هو اختبار إيمانهم الجديد والدفع بهم إلى التحرر نهائيا من عقائدهم الوثنية والأسطورية المتجذرة لدى النخبة السائدة، لأنها المستفيدة منها،خلاف اتباعهم المتضررين موضوعيا من تلك المعتقدات.

يكاد هذا الموقف يكرر حدثا سابقا عليه عند فتح مكة، فعندما أمر النبي ضباطه الصحابة باقتحام الكعبة، وتكسير أصنامها وأوثانها، أحجموا عن ذلك إشفاقا على أنفسهم من عواقبه السيئة عليهم، هذا رغم إسلامهم بل وجهادهم، فاضطر أن يبادر إلى ذلك بنفسه لإيمانه الأرسخ بالله، وساعده في ذلك علي(ض)وخالد بن الوليد.

الردة ممكنة دائما، ولا أمر يمنع اليوم من العودة الي الوثنية والسحر والخرافات وأساطير الأولين،،،وهاهي ذي رأسمالية التوحش في الغرب وفي الهند مثلا، تعود إلى قيم وأخلاق الغابة وجهالاتها،؟؟

إن تكريس بعض التقاليد الاحتفالية الموروثة عن الاسلاف لا يعكس فقط حاجة المجتمع إلى إعادة إنتاجها وتوظيفها لخدمة الحاضر(الراحة/الاجتماع الاسري/الفرح/التزاوج)، بل أيضا وبالأحرى حاجة البشرية إلى إعادة إنتاج وجودها العقدي واجتماعها البشري وتكريس تراكمات منجزاتها التحررية التاريخية.

ملحق: التضحية بالإله، لأجل عبادة (تقديس، تقرّب، تمثّل…) الله المتعالي، المجرّد والمبارك (أحسن الخالقين) والذي “كل يوم هو في شأن”.

يبدو من خلال بعض ردود فعل المغاربة، عند حرمانهم هذا العام من ممارسة شعيرة ذبح أضحية العيد، أن الأمر لا يتصل فقط بإهراق الدم، ولا بأكل اللحم، ولا بالاستجمام والاجتماع الأسري… بل أيضًا، وربما أساسًا، بأكل “الزنان” — أي عمليًا بشي الكبد، والتلذذ الجماعي بالتهامه.

ذكرتُ أن في ممارسة الاحتفال بذبح الإله–الكبش نوعًا من التطهّر، والتخلّص، والنقد الذاتي، والاعتذار عن زمن الجهل والجهالة… وإنما أيضًا نوع من الانتقام ممّن أوقعهم في تلك الأوهام. وحيث كان الاعتقاد أن سر الحياة والقوة، وربما الروح يكمن في الكبد (وليس في الدم أو القلب أو الدماغ)، كانوا يُصرّون على شيّها سريعًا لأكلها، وربما أكلها نيئة وهي لا تزال ترتعد حيّة. في سيمياء اللغة، نُذكّر أن العربية تقول: “كبد الحقيقة”، وليس قلبها… ويُذكر إصرار “حمالة الحطب” على أكل كبد عمّ النبي (ص)، الصحابي حمزة (ض).

كما نشهد ظاهرة تهافت جماهير ثورة “البازار” الإسلامية في طهران على بَقر، ونهش، ومضغ أكباد رموز نظام الشاه. تبدو الظاهرة عريقة في قدمها ووثنيتها، وهو ما قد يُفسّر إصرار المغاربة على أكل “الزنان” ولو قبل العيد، وبلوغ سعر “الدوّارة” سقف 1000 درهم، ولا غضاضة إن كانت من لحم حمار!

القديم يستمر حيًا في الجديد، وما قبل التاريخ حاضر في التاريخ، والوثنية في الدين، والفوضى في النظام، والقبيلة في المجتمع المدني…

ولذلك، نحن في حاجة دائمة إلى إصلاحات تربوية، بل إلى ثورات ثقافية، وأخلاقية، وسلوكية. ولعل التضحية، هذا العام، بشعيرة الأضحية تكون من هذا القبيل!

Share this content:

Share this content:

انطلق عبد الصمد بلكبير وكوكبته ... في منتصف 1984، في بناء صرح ثقافي عالي المستوى. اعتمد أولا على المقاربة الشمولية للقضايا
مقتطف من مذكرات العربي مفضال - زهرة العمر

Share this content:

مقالات

الأضحية والأنثروبولوجية

6 يونيو 2025

سبق لي أن كتبت خاطرة بعنوان (الأضحى عيد) لأنه يكرس ويذكر ويحتفي بحدث تاريخي عظيم ألا وهو تحرير شعوب شرق وجنوب المتوسط من عبادة الكبش والتضحية بالبشر ذبحا،فداء وقربانا له، إلى العكس، ذبح جهلهم وأوهامهم عن معبودهم الكبش، وتحولهم نحو وعي المجرد والمطلق والعاقل والعادل والغائب.

ولقد عبدوا قبل ذلك الحجر والشجر والبشر (أحياء وأمواتا).. بل والبقر والفئران حتى يومه، للأسف، في الهند ،مثلا، وبدعوى (حرية العقيدة)و(التسامح)يصر الاستعمار على إبقائهم معتقلين في جهلهم، وذلك لتيسير استغلالهم دون مقاومة،أو ممانعة، بل وأحيانا بأيديولوجيا (العبودية المحبذة او المختارة)؟!

طبعا فليس كل قديم أو وسيط موروث هو رجعي ومرفوض تلقائيا، إن تقديس الحجر مثلا قد يستمر لحاجة بشر له، كما هو حال الفلسطينيين في(ثورة الحجارة) أو حجاج الكعبة مع (الحجر الاسود) والمصلين مع التيمم وكذلك تقديس الأرض(التراب) والشجر والخبز والكتابة (الأحجبة)وبعض الحيوانات التي أضحت أليفة بعد أن كانت معبودة(القطط والكلاب).

بعض (الحداثيين جدا) من نمط العدميين دينيا وتاريخيا (أنثربولوجيا) ينعون على شعوبهم ممارسة هذه الشعيرة الاحتفالية العريقة،وهم في ذلك اشبهوا موقف المؤرخ الخلدوني (الحداثي) أحمد الناصري في كتابه الرائد (الاستقصا) حيث ينتقد سلوك الصحابي الجليل والمحرر للمغاربة من الحدود القبلية وشيوخها ومن الشعوذة والسحر، ومن عبادة الكبش(والديك أيضا بالمناسبة، والذي ارتد إلى تقديسه البورغواطيون؟)حيث نعى عليه إرغامه أبناء السيدة الكاهنة على نحر الأكباش وسلخها بأنفسهم.

واعتبر الناصري أن مقصوده كان إهانته ،وأن اقتراحهم عليه أن يتولى امر النحر عبيدهم كان أولى وأصلح للجميع معتبرا ذلك السبب الرئيس لردتهم ،ومن تم قتلهم للفاتح العظيم، والحال أن مقصوده كان هو اختبار إيمانهم الجديد والدفع بهم إلى التحرر نهائيا من عقائدهم الوثنية والأسطورية المتجذرة لدى النخبة السائدة، لأنها المستفيدة منها،خلاف اتباعهم المتضررين موضوعيا من تلك المعتقدات.

يكاد هذا الموقف يكرر حدثا سابقا عليه عند فتح مكة، فعندما أمر النبي ضباطه الصحابة باقتحام الكعبة، وتكسير أصنامها وأوثانها، أحجموا عن ذلك إشفاقا على أنفسهم من عواقبه السيئة عليهم، هذا رغم إسلامهم بل وجهادهم، فاضطر أن يبادر إلى ذلك بنفسه لإيمانه الأرسخ بالله، وساعده في ذلك علي(ض)وخالد بن الوليد.

الردة ممكنة دائما، ولا أمر يمنع اليوم من العودة الي الوثنية والسحر والخرافات وأساطير الأولين،،،وهاهي ذي رأسمالية التوحش في الغرب وفي الهند مثلا، تعود إلى قيم وأخلاق الغابة وجهالاتها،؟؟

إن تكريس بعض التقاليد الاحتفالية الموروثة عن الاسلاف لا يعكس فقط حاجة المجتمع إلى إعادة إنتاجها وتوظيفها لخدمة الحاضر(الراحة/الاجتماع الاسري/الفرح/التزاوج)، بل أيضا وبالأحرى حاجة البشرية إلى إعادة إنتاج وجودها العقدي واجتماعها البشري وتكريس تراكمات منجزاتها التحررية التاريخية.

ملحق: التضحية بالإله، لأجل عبادة (تقديس، تقرّب، تمثّل…) الله المتعالي، المجرّد والمبارك (أحسن الخالقين) والذي “كل يوم هو في شأن”.

يبدو من خلال بعض ردود فعل المغاربة، عند حرمانهم هذا العام من ممارسة شعيرة ذبح أضحية العيد، أن الأمر لا يتصل فقط بإهراق الدم، ولا بأكل اللحم، ولا بالاستجمام والاجتماع الأسري… بل أيضًا، وربما أساسًا، بأكل “الزنان” — أي عمليًا بشي الكبد، والتلذذ الجماعي بالتهامه.

ذكرتُ أن في ممارسة الاحتفال بذبح الإله–الكبش نوعًا من التطهّر، والتخلّص، والنقد الذاتي، والاعتذار عن زمن الجهل والجهالة… وإنما أيضًا نوع من الانتقام ممّن أوقعهم في تلك الأوهام. وحيث كان الاعتقاد أن سر الحياة والقوة، وربما الروح يكمن في الكبد (وليس في الدم أو القلب أو الدماغ)، كانوا يُصرّون على شيّها سريعًا لأكلها، وربما أكلها نيئة وهي لا تزال ترتعد حيّة. في سيمياء اللغة، نُذكّر أن العربية تقول: “كبد الحقيقة”، وليس قلبها… ويُذكر إصرار “حمالة الحطب” على أكل كبد عمّ النبي (ص)، الصحابي حمزة (ض).

كما نشهد ظاهرة تهافت جماهير ثورة “البازار” الإسلامية في طهران على بَقر، ونهش، ومضغ أكباد رموز نظام الشاه. تبدو الظاهرة عريقة في قدمها ووثنيتها، وهو ما قد يُفسّر إصرار المغاربة على أكل “الزنان” ولو قبل العيد، وبلوغ سعر “الدوّارة” سقف 1000 درهم، ولا غضاضة إن كانت من لحم حمار!

القديم يستمر حيًا في الجديد، وما قبل التاريخ حاضر في التاريخ، والوثنية في الدين، والفوضى في النظام، والقبيلة في المجتمع المدني…

ولذلك، نحن في حاجة دائمة إلى إصلاحات تربوية، بل إلى ثورات ثقافية، وأخلاقية، وسلوكية. ولعل التضحية، هذا العام، بشعيرة الأضحية تكون من هذا القبيل!

Share this content:

السابق
الأخلاق و الإقتصاد؟
التالي
الترامبية، و(السيئة) في طور جديد من صراع النفوذ، وربما الوجود؟!

مقالات ذات صلة

17 يوليو 2026 عودة موقع الملتقى 29 أبريل 2026 حول محاولة اغتيال الرئيس؟ 5 أبريل 2026 ما الذي تعنيه الدعوة إلى: نظام عالمي جديد؟