انطلق عبد الصمد بلكبير وكوكبته ... في منتصف 1984، في بناء صرح ثقافي عالي المستوى. اعتمد أولا على المقاربة الشمولية للقضايا
مقتطف من مذكرات العربي مفضال - زهرة العمر

Share this content:

العدوان، بين احتمالين : التمدد،أوالصفقة؟

نظرياً، فإن هذين هما الإحتمالان الوحيدان والممكنان للآفاق المنظورة للحرب القائمة ضد فلسطين. غير أن الوقائع الفعلية واليومية تشير إلى غير ذلك. الإعلام السائد يوحي أن الصراع هو بين طرفين منسجمين من حيث مكوناتهما الداخلية الخاصة، وبالتالي فإن منتج صراعهما سيتم حسب ميزان القوة (العسكري خاصة) بينهما. والحقيقة غير ذلك، حيث إن أوضاعهما الداخلية وتماسك وحدتها أو تفككها هما من سيقرر في آخر المطاف، بل وهما ما يفسر وضع شبه الاستقرار وتوازن القوة والردع بينهما، وذلك طبعاً باحتساب التناسب بين مزايا و(امتيازات) كل طرف منهما (ميدانيا/ اقتصاديا/ نفسيا/ تحالفيا/ إعلاميا...إلخ). تاكتيكيا ومرحليا، فإن الطرف الأقوى هو الكيان ومن خلفه، غير أن نقطة ضعفه القاتلة استراتيجيا تكمن في تعدد وتراكم وتزايد تناقضات مكوناته، ليس فقط في الكيان، بل خاصة في مستخدميه. أقصد الأطلسي أولاً، و(و م أ) أساساً. بل إن تناقضات الكيان ليست، في آخر أي تحليل، سوى انعكاس لتناقضات أمريكا الداخلية، العمودية والعميقة والاستراتيجية. وما حالة المراوحة السياسية والعسكرية في غزة والمنطقة إلا انعكاس لحالة مراوحة التناقض الأمريكي-الأمريكي إياه.

أمريكا غير موحدة المصالح والرهان والموقف من العدوان، هي متفقة على دعم الكيان ورفض انهزامه، لكنها مختلفة حول السبيل إلى ذلك، بالتمدد أم بالصفقة. ولأن الميدان وتوازناته لم يرجح احتمالاً على آخر، ولأن ميزان القوة بين المعسكرين في أمريكا لم يحسم بعد لصالح أي من الطرفين، فإن الوضع يعيد إنتاج شروطه، إلى حين.

لا يتعلق الأمر إذن بشخص النتن وبقية (أقليته) الدينية والحربية الحاكمة، ولا بالأحرى بتدبير (= نفاق) أمريكي متوافق عليه، بل بصراعات تكاد تصل حدود الانفجار في أمريكا نفسها. و بالذات، توازن علاقات الطرفين غير مستقرة، بل متحركة وديناميكية أحياناً، وتخضع لمنطق وقواعد (الديمقراطية الليبرالية) أو البورجوازية: الخصومة ثابتة والصواب حاصل، أي الصراع دون دماء، والذبح بالقطن، وتأكيد المشترك الرأسمالي، وتصريف المختلف عليه بعيداً عن الداخل، وخارج أمريكا، ومن خلال حلفاء الطرفين، في شعوب ودول العالم وهيئاته ومنظماته المدنية والدولية. بعض هذا هو ما يفسر مثلاً انفجار تناقضات الشارع الأمريكي في الموضوع، مواقف المحكمتين الدوليتين، المواقف المتناقضة في دول الاتحاد الأوروبي، منظمة التعاون الإسلامي، وأعمدتها: الخليج، مصر والأردن وتركيا وتظاهرات المغرب. بل إن الصراع التناحري في الكيان هو نفسه انعكاس لتناقضات أمريكا، فالانقلاب العنيف على (الصهيونية) وبالتالي على (أسلو) وحل الدولتين، وتشريع (الدولة اليهودية) إذن غير العلمانية، ولا الصهيونية بالنتيجة، بلوغاً إلى محاولة الانقلاب على ضمانة (المحكمة العليا) لوحدة أنماط اليهوديات المشكلة للكيان، ومنها إرغام التوراتيين على التجنيد. كل ذلك وغيره هو منتج تقاطع، وحتى تطابق مصالح المجمع الصناعي العسكري الأمريكي المتوحش من جهة، وتحالف تجار الدين الأحبار التلموديين مع تجار السياسة والحرب في إسرائيل، وانتقال الصهاينة إلى المعارضة غير المتكافئة في الشارع.

في الحالتين الأمريكية والإسرائيلية، وفي العلاقتين، مع صمود المقاومات ومع العالم الخارجي، بما في ذلك الصين خاصة، وقد أضحت أو أُرغمت على ممارسة السياسة كقوة عظمى مسؤولة، وليس (البقالة) كما كانت ولا زالت تفضل، فإن وضع (الاستقرار) والمراوحة السياسية والعسكرية هو المرجح في الاستمرار، لا صفقة مرضية، ولا حرب شاملة. وهو ما يعني (السقوط الحر) في استراتيجية المقاومة والتي أعلن عنها السيد منذ اليوم الثاني للحرب: لن نقبل بهزيمة حماس، وسننتصر بالنقط، لا بالضربة القاضية، ما يعني استنزاف جبهة الأعداء بالنفس الطويل، وعلى جميع الجبهات وفي جميع الميادين (اقتصاد، مال، تجارة، خدمات، إعلام، سياسة ودبلوماسية، قضاء دولي...فضلاً عن المواجهات العسكرية).

في مقابل تفكك وانفجار تناقضات العدو، تراكم المقاومة انتصاراتها، خاصة بتصاعد وحدتها استراتيجياً، وتنوع أنماط نضالاتها ضد الإمبريالية تاكتيكياً. وأهم ذلك تقارب بل وقرار وحدة السلطتين، في الضفة وغزة من خلال تشكيل حكومة مفاوضات وتعمير، وإشراف على انتخابات ديمقراطية لإدارة الدولة الفلسطينية الانتقالية (بيان بكين) التاريخي. إذن طي صفحة من صراع الوجود وفتح أخرى، سيكون فيها الدور للشتات الفلسطيني أهم من الداخل الفلسطيني.

كنت دائم القول بأن الانقسام في صفوف المقاومة، وعربياً، ليس مضراً، إلا في لهجته. إذ لو كان العقل حاضراً، لمورس بأقل الخسارات الضرورية، كما يصنع الأعداء في تدبير تناقضاتهم.

لقد اتضح للجميع اليوم أن نمطي أسلو والسلاح، ليسا متعارضين، وإن كانا متناقضين تاكتيكياً ومرحلياً. هما في النهاية متكاملين استراتيجياً، وها هي ذي حماس تنتهي إلى نفس ما انتهى إليه البرنامج المرحلي للمنظمة في مؤتمر الجزائر (مقترح الجبهة الديمقراطية). فالسياسة موازين قوى دينامية، وليست برامج ومطالب وحسب. وعندما أثنى السنوار على الشهيد عرفات، كان يقصد هذا بالذات.

إن عرفات اضطر ولم يختر، تماماً كما اضطر هو اليوم أيضاً لقبول العمل تحت قيادة سلطة أسلو. وذلك من خلال حكومة يعينها الرئيس عباس. هل إن ذلك يعني عبثية ما جرى كل هذه السنوات؟ أقول لا، بل العكس. إنما كان يمكن أن يحصل بأقل الخسائر (خاصة كوارث الربيع في مصر وسورية وليبيا وتونس) وتعظيم المردودات، وتلكم هي جدارة القيادة في كل زمن ومكان، وليس التضحية والاستشهاد أساساً.

يقول هيغل (إن كل ما هو واقعي فهو عقلي) والعكس صحيح أيضاً. إن ما وقع هو المعقول الممكن. وما كان أحرى أن يقع بعقل ليكون أسرع وبخسائر أقل.

تقول الحكمة الفارسية العريقة (إن السياسة العليا لا تتاح عند لحظة الاختيار بين الأفضل والمفضول، فهذه يتقنها حتى الأطفال، بل عند الإضطرار في الاختيار بين السيء والأسوأ). وعلى كل، فإن تحضر العقلانية ولو متأخرة خير من أن لا تحضر. فشكراً جزيلاً لحماس بهذا الجهاد في النفس أولاً، وهو ما أهلها لكل هذا الحصاد الوفير والعظيم عربياً وعالمياً. بحيث، كما راهن وصرح السنوار علناً، أن هدفه كان هو تنزيل وتطويق الكيان من قبل جميع دول وشعوب العالم، وذلك بتفعيل وتنشيط كل ما تم إنجازه إعلامياً وسياسياً ودبلوماسياً من قبل الثورة الفلسطينية وحلفائها منذ انطلاقها المعاصر (1965).

أخيراً، أنبه إلى أن جبهة المقاومات، التي تمكنت حتى الآن من الحفاظ على تماسك وحدتها، في مقابل تآكل جبهة الإمبريالية، ستتعرض، مع انطلاق المفاوضات الجادة القريبة، إلى بداية اختلافات ثانوية غالباً. أقصد أن الذين يستعجلون وقف العدوان وعقد صفقة التبادل وتأسيس حكومة التعمير ليسوا جميع من في جبهتنا اليوم، ما عدا الصين. ذلك أن روسيا مثلاً من مصلحتها كدولة استمرار الحرب، لأنه يفيدها في انشغال أعدائها عنها في أوكرانيا. وكذلك إيران المستعجلة عن حق في بلوغ العتبة النووية، واستمرار الحرب يفيدها. ومن حقهما ذلك في الحالتين. أقول فقط إن ذلك لن يكون له تأثير ضار، وبعقل مقاوم ومحاور استراتيجياً وكونياً في نفس الوقت، تستطيع هذه الجبهة المنتصرة بحول الله على الأطلسي المتوحش أن تتجاوز هذه العقبة المحتملة بأقل الصعوبات الممكنة والمحتملة.

د. ع. بلكبير/ المضيق: 8 غشت 2024

Share this content:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share this content: