لعل من أهم ما يتميز به الكبش (ذو القرنين) هو قدراته الحيوية (الجنسية) مقارنة ببقية ذكور المواشي جميعًا. هذا الامتياز وفضائله على معاش البشر في ما قبل تاريخهم، نظير حليب البقر وفوائد الكلاب والقطط... هو ما حرضهم على تقديسه، والتقرب منه (عبادته) أو التشبه به والاقتباس منه، لإضفاء الهيبة والاعتبار على شخوص قادتهم.
(الإسكندر المقدوني قبل الإسكندر، وفي عهد النبي المؤسس (سيد البشر: إبراهيم) كان البشر يعبدون، حسب جغرافياتهم، مختلف ما يفيدهم أكثر أو يخيفهم، من موجودات الطبيعة أو مظاهرها. ومن ذلك كان الكبش، في عموم غرب وجنوب وشمال الأبيض المتوسط، بما في ذلك المغرب، قبل تحريرهم من قبل أشقائهم المشارقة من هذا الجهل، وذلك بواسطة الفتوح الإسلامية.
(في الهند ما زالوا عبيدًا للمتاجرين بعبادة البقر، والقردة والفئران...).
هذا الانعطاف التاريخي العظيم من جهالات ما قبل الدين الموحد والمجرد (ما قبل التاريخ) - التحول من التضحية بالإنسان لأجل (الكبش) إلى التضحية بالكبش من أجل الإنسان - هو ما تم تكريسه، والتذكير به من خلال الاحتفال به في عيد خاص. وتمة من الشعوب من يحتفلون بذبح غيره من آلهتهم زمن جهالاتهم السابقة، كالديك مثلاً، والمغاربة يحتفلون بذبحه في رمضان، ضدًا على نحلة صالح بن طريف (البرغواطيون) الذي ارتد بهم نحو عبادة (تقديس) الديك وصياحه.
إذن، هو عيد تحرر البشرية من أوهام الوثنية وجهالاتها الموروثة، والقابلة للعودة في كل حين، إذا تم التهاون في تكريس عبادات الحرية والتحرير والاحتفال بأعيادها جميعًا، ومنها الأضحى الكريم.
لولا أن جرائم الإمبريالية في عموم الشام والعراق والسودان واليمن، وخصوصًا غزة العزة، كانت تقتضي الفتوى بالاحتفال والاقتصار على ذبائح رمزية للفقراء، في أحياء ودوائر محددة، ونفس الإجراء يشمل الحج أيضًا. وتخصص ميزانية كل ذلك لشعوبنا المعتدى عليها بعدوان أو افتتان بقصد المحو. لا ينتظر المبادرة إلى ذلك من قبل إدارات الدول، والسؤال لذلك مطروح على إدارات المجتمع (مدنية وتقليدية: فقهاء، طرق صوفية، شخصيات اعتبارية، أحزاب ونقابات وجمعيات).
سانحة:
عموم مؤرخي الفتح المشرقي للمغارب يقفون ناقدين ومفسرين لارتدادات متقطعة للبربر عن الانقياد لسلطة بعض الفاتحين (قرشيون غالبًا، خلاف اليمنيين منهم) بسبب فرضهم على أمراء البربر ذبح الخرفان بأنفسهم، عوض العرب أو عوض جنودهم، معتبرين ذلك إهانة لهم، اقتضت الردة من قبلهم.
وهذا غير دقيق، إذ كان مقصود الفاتحين المعنيين امتحان وتحرير أولئك الأمراء من وثنيتهم، وذلك من خلال ممارسة تطبيق العقيدة الجديدة، بذبح الآلهة القديمة الموروثة. وهو أمر لا علاقة له بإهانة ما محتملة.
شبيه بذلك، ما وقع عند فتح مكة، ودعوة الرسول (ص) صحابته إلى تحطيم أصنام الكعبة بها، فترددوا جميعًا، ولم يلحق به لأجل تحطيمها سوى الشباب منهم (علي وخالد).
مشكلة المؤرخين أولئك، وآخرهم ناصري (الاستقصاء)، أنهم لم يكن لديهم علم في عصرهم بالعلوم الحديثة (الأنثروبولوجيا/الإيديولوجيا/ والسيكولوجيا...) حتى يفهموا أن ما اعتبروه (ذبح الكبش) سهلًا وبديهيًا لم يكن كذلك بالنسبة لأوائل المسلمين المغاربة، فاحتاج منهم ذلك إلى زمن مديد من الاحتفال بممارسة طقس (ذبح آلهتهم).
الفاتحون المشارقة العظام كانوا أعلم بأحوال أزمنتهم من الذين أرخوا لهم.
وكل عيد، وأنتم جميعًا محتفلون.
مراكش في 16/06/2024.
Share this content:
